عدّ السور العريق لمدينة تارودانت واحدًا من أهم المعالم التاريخية بالمغرب، وركنًا أساسيًا من الهوية الحضارية لعاصمة سوس العتيقة. فهذا الحزام الطيني الممتد عبر كيلومترات طويلة لا يمثل فقط تحفة معمارية فريدة، بل يشكل كذلك وثيقة تاريخية حيّة تلخّص فصولًا متعددة من الوجود الإنساني بالمدينة منذ قرون.
وفي هذا السياق، قام عامل إقليم تارودانت، مبروك تابت، يوم الثلاثاء 25 نونبر 2025، بزيارة ميدانية لعدد من الأوراش المرتبطة بأشغال ترميم وتأهيل السور التاريخي، في إطار تتبع مشاريع التأهيل العمراني والحفاظ على هذا الموروث الحضاري. وتأتي هذه الزيارة كتأكيد رسمي على الوعي المتزايد بأهمية صون التراث المحلي، خصوصًا في ظل ما يعرفه السور من تدهور بفعل الزمن والعوامل الطبيعية والأنشطة البشرية.
أهمية السور التاريخي كوثيقة عمرانية وهوية حضارية
لا يمكن الحديث عن تارودانت دون أن يتبادر إلى الأذهان سورها الشهير. فهو ليس مجرد جدار دفاعي قديم، بل سجل معماري يوثق لمراحل تاريخية مهمة، من العهد السعدي إلى الفترات اللاحقة. وقد لعب السور على مر العصور دورًا دفاعيًا، حضريًا، وتجاريًا، إذ كان يحمي المدينة ويحدد ملامح نسيجها العمراني ويضبط حركتها الاقتصادية.
ويمتاز السور بأسلوب معماري تقليدي قائم على الطين المضغوط (اللوح)، وهي تقنية محلية تمنحه جمالية خاصة، وتجعله نموذجًا فريدًا لهندسة المدن العتيقة بالجنوب المغربي.
الدور السياحي للسور: من موروث ثابت إلى رافعة للتنمية المحلية
يشكل السور اليوم واجهة سياحية أساسية لتارودانت، فهو أول ما يستقبل الزائر، وأبرز عناصر الهوية البصرية للمدينة. وكل عملية ترميم أو إعادة تأهيل تنعكس مباشرة على الحركة السياحية، وعلى حركية الأسواق التقليدية، والصناعة التقليدية، والأنشطة المرتبطة بالزوار.
وبالنظر إلى الطلب المتزايد على السياحة الثقافية، يُعد الحفاظ على هذا المعلم التاريخي شرطًا أساسيًا لتعزيز جاذبية تارودانت كوجهة سياحية تنافسية داخل المغرب وخارجه.
مشروع التأهيل… ورهان احترام الموروث
الزيارة التي حضرها المدير العام لوكالة تنمية الأطلس الكبير، بصفتها صاحبة المشروع، إضافة إلى النائب الأول لرئيس جماعة تارودانت والسلطات المحلية، تأتي في إطار تنفيذ تدخلات ترميمية تهدف إلى:
-
إعادة الاعتبار للسور التاريخي عبر ترميم الأجزاء المتضررة.
-
الحفاظ على الأصالة المعمارية باستخدام تقنيات تراعي المواد التقليدية.
-
ملاءمة محيط السور مع الدينامية العمرانية للمدينة.
-
تحسين الجمالية الحضرية بما يعزز الإشعاع السياحي للمدينة.
المقاربة التشاركية في حماية التراث
أشادت فعاليات مدنية مهتمة بالشأن التراثي بهذا المشروع، مؤكدة ضرورة اعتماد مقاربة تشاركية تشمل:
-
مهندسي الترميم المتخصصين،
-
المؤرخين والباحثين في التراث،
-
المعماريين،
-
المجتمع المدني،
-
وممثلي السلطات المحلية.
فالتراث لا يمكن حمايته بقرارات إدارية فقط، بل يحتاج إلى رؤية تشاركية تضمن الحكامة الجيدة والتتبع الصارم، خصوصًا وأن أي خطأ تقني في عمليات الترميم قد يؤدي إلى تشويه معالم السور أو فقدان أصالته.
الحفاظ على السور: مسؤولية جماعية ومستقبل مدينة
إن السور التاريخي لتارودانت ليس مجرد ماضٍ محفور في الطين؛ إنه رأسمال ثقافي يجب استثماره بعقلانية. الحفاظ عليه هو حفاظ على ذاكرة جماعية، وعلى إرث عمراني يشكل جزءًا من الهوية الوطنية للمغرب.
كما أن حماية هذا الموروث تُمثل رافعة تنموية، اقتصادية، وسياحية، قادرة على خلق فرص شغل، وتنشيط القطاع السياحي، وتحسين صورة المدينة.
وفي ظل التهديدات التي تتعرض لها المواقع التاريخية عبر العالم، يصبح من الضروري أن تتعامل المؤسسات والساكنة مع هذا الملف بوعي ومسؤولية، لضمان انتقال هذا الإرث للأجيال القادمة.
