recent
أخبار ساخنة

عندما تجاوزت السيارات الفوسفاط… هل يبدأ المغرب عصره الصناعي؟

administrator
الصفحة الرئيسية

 



صناعة السيارات تتصدر صادرات المغرب لأول مرة… تحوّل تاريخي أم نجاح ظرفي؟ قراءة نقدية في ملامح الاقتصاد الجديد


مقدمة: لحظة فاصلة في تاريخ الاقتصاد المغربي

يشهد الاقتصاد المغربي محطة مفصلية بعد أن تمكن قطاع صناعة السيارات من انتزاع صدارة الصادرات الوطنية متجاوزاً الفوسفاط لأول مرة في تاريخ المملكة الحديثة. هذا التحول، الذي تصفه الحكومة بـ“النجاح الاستراتيجي”، يفتح الباب أمام قراءة متعددة الأبعاد: هل نحن أمام نجاح بنيوي يرسخ انتقال المغرب نحو اقتصاد صناعي متقدم؟ أم مجرد تفوق ظرفي مرتبط بدورات أسعار السلع العالمية؟
هنا تبدأ الأسئلة الاقتصادية الحقيقية التي تحتاج نقاشاً بعيداً عن لغة الاحتفاء الرسمي.


صعود السيارات… عندما تنتصر الصناعة على الموارد الطبيعية

ارتفعت صادرات السيارات بشكل متسارع خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بعدة عوامل هيكلية:

1. توسّع سلاسل الإنتاج والتجميع

  • منصة “طنجة-ميد” أصبحت من بين أكبر المنصات الصناعية الموجهة للتصدير في المنطقة.

  • مصانع القنيطرة وطَنجة رفعت قدرتها الإجمالية إلى مستويات تتجاوز نصف مليون وحدة سنوياً.

  • اندماج المغرب في سلاسل القيمة الأوروبية جعل من المملكة منصة قريبة وموثوقة للشركات العالمية.

2. تنويع المنتجات: من السيارات الحرارية إلى الكهربائية

قطاع السيارات المغربي انتقل من مجرد تجميع بسيط إلى تصنيع متكامل لمكونات محورية مثل:

  • الأسلاك الكهربائية (Wire Harness)

  • أجزاء المحركات

  • البطاريات ومحولات الطاقة الخاصة بالسيارات الكهربائية

هذا التنوع عزز القدرة التصديرية، خاصة مع ظهور طلب عالمي قوي على المركبات الكهربائية (EV).


تراجع الفوسفاط… أزمة أسعار أم بداية فقدان الريادة؟

رغم أن الفوسفاط سيبقى مورداً استراتيجياً للمغرب، إلا أن تراجعه للمرتبة الثانية يثير أسئلة اقتصادية جدية:

1. حساسية قطاع الفوسفاط لتقلبات الأسعار

الأسعار العالمية شهدت انخفاضاً كبيراً بعد موجة الارتفاع التي رافقت اضطرابات ما بعد “كوفيد” والحرب الأوكرانية.
قطاع السيارات، على العكس، يتمتع بثبات نسبي لأنه مرتبط بسلاسل إنتاج متعددة وليس سلعة أولية.

2. التركيز المفرط على التصدير الخام

رغم تطور مشتقات الفوسفاط (أسمدة، منتجات كيماوية)، إلا أن القيمة المضافة لا تزال دون المستوى الذي تحققه الصناعات التحويلية المتقدمة.
وهنا يظهر الفارق بين الاقتصاد المبني على الموارد، والاقتصاد المبني على الصناعة.


نقد اقتصادي: هل التحول بنيوي أم هشّ؟

1. ارتفاع صادرات السيارات لا يعني بالضرورة “قوة صناعية كاملة”

الاقتصاد المغربي لا يزال يعتمد بشكل كبير على الواردات المرتبطة بالصناعة نفسها:

  • استيراد المواد الأولية

  • استيراد التكنولوجيا

  • اعتماد كبير على الاستثمارات الأجنبية المباشرة (FDI)

هذا يطرح سؤال الاستقلال الصناعي:
هل يستطيع المغرب الحفاظ على ريادته لو قررت شركات كبرى تغيير مواقعها؟

2. هشاشة سلاسل القيمة الدولية

أي اضطراب في السوق الأوروبية سيؤثر مباشرة على الإنتاج المغربي، بما أن 85% من السيارات المغربية تتجه نحو أوروبا.
الاعتماد على سوق واحدة قد يمثل نقطة ضعف استراتيجية.

3. ضعف اندماج المقاولات المحلية في المنظومة الصناعية

رغم حضور بعض الشركات الوطنية في سلاسل التوريد، إلا أن القيمة المضافة المحلية لا تزال متواضعة مقارنة بالدول الصناعية الصاعدة (تركيا أو المكسيك مثلاً).
هذا الوضع يجعل الصناعة المغربية في مستوى “المصانع التابعة” وليس “الصناعة القائدة”.


فرص مستقبلية… لكنها مشروطة بإصلاحات عميقة

نجاح قطاع السيارات يمكن أن يشكل رافعة للاقتصاد الوطني إذا تمت مرافقة الدينامية الحالية بإصلاحات استراتيجية، أبرزها:

1. رفع نسبة الاندماج المحلي

الوصول إلى معدل 80% في التصنيع المحلي يتطلب:

  • دعم البحث والتطوير (R&D)

  • نقل التكنولوجيا

  • إنشاء منظومات صناعية وطنية خاصة بالمحركات والبطاريات

2. تنويع الأسواق الخارجية

فتح أسواق جديدة في أمريكا اللاتينية وإفريقيا جنوب الصحراء سيقلل من الارتباط بالسوق الأوروبية.

3. ربط الصناعة بالانتقال الطاقي

بما أن السيارات الكهربائية مستقبل الصناعة، يجب الاستثمار في:

  • تكنولوجيا البطاريات

  • الهيدروجين الأخضر

  • المعادن الضرورية لسلاسل EV


خاتمة: بين إنجاز اليوم وتحديات الغد

تجاوز السيارات للفوسفاط ليس مجرد رقم اقتصادي، بل رسالة بأن المغرب قادر على بناء اقتصاد صناعي تنافسي.
لكن هذا الإنجاز يظل هشاً إذا لم يُرفق بإصلاحات تعزز الاستقلال الصناعي، وتزيد القيمة المضافة الوطنية، وتُحصّن الاقتصاد من الصدمات الخارجية.

التحول حقيقي، لكنه غير مكتمل.
والسنوات القادمة هي الاختبار الحقيقي:
هل سيُثبت المغرب أنه بلد صناعي صاعد؟ أم سنكتشف لاحقاً أن التفوق الظرفي أخفى هشاشة بنيوية؟

google-playkhamsatmostaqltradent